عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

194

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

وتسرب عدد كبير من المهرة في كل فن إلى بلاط الخلفاء والأمراء فاستعملوهم في مهنهم وحاجات منازلهم ، فتفننوا وطوروا في المطاعم والمشارب والملابس والفرش والانية وسائر الماعون والخرثيّ « 1 » . وكذلك أحوالهم في أيام المباهاة والولائم وليالي الأعراس . وبذلك صح فيهم ما قاله عبد اللّه بن مخمر وهو على المنبر ، وقد رأى الناس تلبّسوا : « وا حسناه ، وا جمالاه ، بعد العدم والسدم من الأدم والحوتكية « 2 » والبرود ، أصبحتم زهرا ، وأصبح الناس غبرا ، وأصبح الناس يعطون وأنتم تأخذون . وأصبح الناس ينتجون وأنتم تركبون ، وأصبح الناس ينسجون وأنتم تلبسون ، وأصبح الناس يزرعون وأنتم تأكلون « 3 » » . لقد قلد العرب الفرس في أعيادهم ، فكانوا إذا أحوجهم الاحتفال بعيد أو عرس أو ختان سألوا عما يفعله الفرس في مثله ونسجوا على منواله . روى ابن خلدون : « أن الحجاج أولم في اختتان بعض ولده ، فاستحضر بعض الدهاقين يسأله عن ولائم الفرس . قال : « أخبرني بأعظم صنيع شهدته . فقال له : نعم أيها الأمير . شهدت بعض مرازبة كسرى ، وقد صنع لأهل فارس صنيعا أحضر فيه صحاف الذهب على أخونة الفضة أربعا على كل واحد ، وتحمله أربع وصائف ، يجلس عليه أربعة من الناس . فإذا طعموا أتبعوا أربعتهم المائدة بصحائفها ووصائفها . فقال الحجاج . يا غلام انحر الجزر وأطعم الناس « 4 » » . فكأنما كره الحجاج ذلك واستعظمه بعد أن رغب في محاكاته وتقليده ، ونبا هذا الاسراف عن ذوقه العربي ، وعدّه فخفخة كاذبة وأبهة لا يستسيغها فنفر من ذلك إلى عادات قومه بعد أن غلب عليه الذوق العربي الذي كان واضحا كل الوضوح يشعر به العربي البدوي إذا دخل على معاوية أو عبد الملك أو غيره من خلفاء بني أمية .

--> ( 1 ) محمد كرد علي : الاسلام والحضارة العربية : ص 155 ( انظر أيضا مقدمة ابن خلدون ص 121 ط : المطبعة البهية بمصر ) . الخرثي : بضم الخاء : أثاث البيت وأسقاطه . ( 2 ) الحوتكية : عمامة الرأس عند العرب . ( 3 ) محمد كرد علي : الاسلام والحضارة العربية : ج 1 - ص 155 . ( 4 ) ابن خلدون : المقدمة ج 1 - ص 145 .